ميلاد فجر

.. الدُنْيَا سِجْنُ المُؤمِن..}~

أبريل8

:


:

في يوم من الأيام عدت من الجامعة متعبة استلقيت على سريري.. ثبّت المنبّه على صلاة العصر ونمت..

استيقظت على صوت المنبّه.. أطفأته.. مسحت عن وجهي آثار النوم .. أحاول تنشيط نفسي للوضوء والصلاة..

قبل أن أقوم من سريري.. رن هاتفي معلناً  وصول رسالة قصيرة.. فتحتها:

فإذا هي من الخدمة التي اشتركت بها منذ فترة.. تقول الرسالة:

:

[ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر " أخرجه مسلم]

:

أغلقتها وهممت بالنهوض من السرير.. لا أدري لما كان لهذه الكلمة ( سجن المؤمن ) تأثير مختلف هذه المرة مع كثرة سماعي لهذا الحديث..!

هذه المرّه أخذتني في تأمّلي بعيداً، بل ربّما قريباً ..واقعاً..

صلّيت وعدت إلى سريري لأتابع تأملي في هذه العبارة..

قلت: سبحان الله لو أيقن الإنسان أن هذه الدنيا سجن..واعتبر نفسه سجين لعاش في هذه الدنيا باطمئنان..

نعم .. لعرف كيف يعيشها كما يجب أن تُعاش..

قلت: لو أننا اعتبرنا أن هذه الدنيا سجن كبير ، ونحن سجناء بها، ترى كيف يعيش السجين في سجنه؟!

:

قلت: السجين دائماً وحيد..فهو في سجنه بلا أصحاب بلا أصدقاء بلا أحباب..

إذن لما نجزع ونغضب إذا غاب أصحابنا عنا..؟!

إذا تأخّر أصدقاؤنا وأحبابنا عنا..؟!

أليس السجين من صفاته الوحده..؟!

:

إذن ليس من حقنا أن نلومهم على بعدهم أو تأخيرهم..

بل الإيمان بأن الوحده هي الأصل.. ووجود الأهل والأصحاب والأحباب حولنا إنما هو مزيد فضل من الله سبحانه وتعالى.. فالواجب علينا شكره تعالى عليها..

:

كذلك تأمّلت في حال السجين..

وجدت أنّه إذا وجد معه سجناء في مكان واحد.. فإنه يحسن معاشرتهم.. يحاول مواساتهم.. تصبيرهم.. لأنه يعلم أنّه سيخرج يوماً ما من هذا السجن ويفترق عنهم.. أو هم سيخرجون ويفترقون عنه..

:

ونحن أيضاً ألن نخرج من هذه الدنيا يوماً ما؟

:

إذن لما لا نُحسن معاشرة من حولنا..؟!

لما لا نواسيهم.. نصبّرهم.. نمنحهم الأمل .. الحب.. الكلمة الطيبة..؟!

لما لا نُعاملهم معاملة المودِّع..؟!

نمنحهم ما نستطيع فإننا في نهاية الأمر سنودعهم بأيدي خالية إلا من عملنا الصالح..

:

أخذت أتأمل أيضاً في حال السجين..

:

وجدت أن أغلب المسجونين يخرجون منه بعد توبة.. وحفظٍ لكتاب الله.. وصلاة خاشعة.. وقيام ليل..

قد يكون هذا المسجون ارتكب ذنباً واحداً أدخله السجن ثم تاب منه..

:

ونحن..؟!

لما لا نتوب من الذنوب التي نفعلها يومياً.. ذنوب لو أردنا عدّها ما استطعنا..!!

لما لا نخرج من سجن الدنيا بحفظ للقرآن .. وصلاة خاشعة.. وقيام ليل.. ومناجاة لله سبحانه وتعالى..؟!

:

قد يُقال للسجين أحياناً: إذا تُبت وأحسنت الخُلُق وحفظت القرآن.. فقد يأتيك عفوٌ بالخروج..

تُرى هل سيُفرّط السجين بذلك..؟!

أم سيسعى بكل جهدهِ ليفعل ما أُمرَ به..فقط ليخرج من سجنه..؟!

:

ما بالنا نحن يعِدُنا ربي ..ليس بالخروج من سجن الدنيا فقط..بل يعِدُنا بجنّة عرضُها السماوات والأرض.. نعيمها مالا عين رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر..!

ومع ذلك نجدنا قد أهملنا الواجبات.. أو قد نؤديها ولكن ليس حقّ الآداء..!

ضيّعنا الحقوق.. انتهكنا المحرّمات.. نسينا القُربات..اشغلتنا الدنيا عن الخشوع في الصلوات..

تقاصرت هِممُنا عن حفظ الآيات..وعن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وتطبيقها..!

:

توقّفت عن التأمل قليلاً أتجرّع الحسرة..

:

ثم عُدّتُ للتأمل أيضاً في حال السجين..

:

وجدته لا يحرص على لبس أحسن الثياب ولا يُطالب بذلك ولا يتذمّر فهو في النهاية في سجن فما الفائدة منها؟!

وجدته يرضى بأي طعام يُقدّم له.. لا يُطالبُ بأفضل منه.. ولا يزدريه.. بل يأكل وهو راضٍ عنه..

وجدته ينام على فراشِ متواضع ليس في سجنه من الأثاث غيره..وجدته ينام عليه ولا يُطالِب بتأثيث سجنه بأحسن الأثاث..!!

يعلم أن كل ذلك ليس محلّه السجن.. فما الفائدة لطلبهِ كل ذلك ثم انه سيخرج يوماً ما ويترك كل شيء خلفه؟!

:

ونحن..؟!

:

ألسنا سجناء أيضاً..؟!

لماذا لا نرضى إلا بأحسن الثياب وأغلاها..؟!

قد تمتلئ أدراجنا ثياباً ولا نرضى بذلك بل نجدنا نسخط.. ونُقارن ملابسنا بملابس الآخرين..لما؟

ألسنا في سجن..؟!!

فالأصل هو وجود ما يستر عوراتنا.. وما يزيد عن ذلك من أنواع الثياب والملابس بألوانها وأشكالها إنما هو مزيد فضل من الله تعالى.. علينا شُكرهُ عليها والرضى بها..

:

وطعامنا كذلك..الأصل وجود ما يسد جوعنا ويقوّمنا.. وما زاد عنه من أصناف الطعام وأشكالها إنما هو فضل ومنّه من الله تعالى.. علينا شكره تعالى عليها..

:

والبيوت والتفاخر بها وبأثاثها ليس فعل العاقل الذي يعلم أنه سيذهب ويتركها كلها..إلى قبر ضيّق مظلم..

فالأصل سكن يأوينا.. وما زاد عنها من أثاث وثير وفُرش وكل مافي البيت من وسائل الراحة والرفاهية.. إنما هو مزيد فضل من الله تعالى.. وشكره تعالى عليها هو الواجب..

:

:

توقّفت عند هذا الحدِّ من التأمل.. بعد أن استشعرتُ عظيم نعم الله علي..

وفهمت المعنى الحقيقي لهذه الدنيا.. وكيف علي أن أعيشها..

شعرت بيقين ملئ صدري انشراحاً وسكينة..

:

هنا سمعت صوت الرعد وأمطرت السماء.. وأمطرت معها دموع عينيّ بحرارة..

لا أعلم كيف أتاني فجأة ذلك الدعاء الذي دعوت الله تعالى به..!

ولكني شعرت به خرج من أعماق قلبي..

:

قلت: اللهم نقِّ قلبي.. اللهم طهّر قلبي بالإيمان واليقين والصدق..

:

:

« Older Entries